السيد حيدر الآملي
383
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وإذا تحقق هذا فنرجع إلى ما كنّا بصدده ونقول : اعلم أنّ الشّيخ الأعظم محيي الدّين الأعرابي قدّس اللّه سرّه قد أشار إلى بحث المشيّة بإشارة شريفة وقد قال فيه ما قلناه مطابقا لما ذهبنا إليه ، نذكره هاهنا ونقطع هذا البحث عليه وهو قوله : وبالكشفين معا ما يحكم علينا إلّا بنا ، لا بل نحن نحكم علينا بنا ولكن فيه ولذلك قال : فلله الحجّة البالغة ، يعني على المحجوبين إذ قالوا للحقّ لم فعلت بنا كذا وكذا ممّا لا يوافق أغراضهم فيكشف لهم غير مناف ، وهو الأمر الّذي كشفه العارفون هنا ويرون أنّ الحقّ ما فعل بهم ما ادّعوه أنّه فعله وأنّ ذلك منهم ، فإنّه ما عليهم إلّا على ما هم عليه فتندحض حجّتهم وتبقى الحجّة للّه البالغة . فإن قلت : ما فائدة قوله فلو شاء لهداكم أجمعين قلت : لو شاء ، لو : حرف امتناع ، لامتناع ما شاء إلا ما هو الأمر عليه ولكن عين الممكن قابل للشّيء ونقيضه في حكم دليل العقل وأيّ الحكمين المعقولين وقع ، ذلك هو الّذي كان عليه الممكن في حال ثبوته ، ومعنى لهداكم ليبيّن لكم وما كلّ ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه فمنه العالم والجاهل ، فما شاء فما هديكم أجمعين ولا يشاء وكذلك إن يشاء فهل يشاء هذا ما لا يكون فمشيئته أحديّة التّعلّق وهي نسبة تابعة للقلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت
--> الفرد ، فمن تطلّع إليها فقد ضادّ اللّه عزّ وجلّ في حكمه ونازعه في سلطانه ، وكشف عن ستره وسرّه ، وباء بغضب من اللّه ومأواه جهنّم وبئس المصير . وروى أيضا في التوحيد ص 365 الحديث 3 ، بإسناده عن عنترة الشيباني عن أبيه ، قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : بحر عميق فلا تلجه ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : طريق مظلم فلا تسلكه ، قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، قال ( ع ) : سرّ اللّه فلا تكلّفه قال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) : أما إذا أبيت فإنّي سائلك ، أخبرني أكانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللّه ؟ قال : فقال له الرجل : بل كانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) قوموا فسلّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافرا . الحديث . وأخرجه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين ( ع ) من تاريخ دمشق بسنده عن عبد اللّه بن جعفر ، قاله الخطيب في مصادر نهج البلاغة ج 4 ، ص 101 .